ابن حزم

870

الاحكام

لم يكن له بعد الهجرة غيرها ، ففرض عليه أن يتركهم ويستأنف سؤال غيرهم ، ثم يلزمه ما قلنا آنفا ، قبل هذا من موافقته للحق أو حرمانه إياه بعد اجتهاده . ويكون العامي حينئذ بمنزلة عالم لم يبين له وجه الحكم في مسألة ما ، إما بتعارض أحاديث أو آي أو أحاديث وآي ، فحكمه التوقف والتزيد من الطلب والبحث ، حتى يلوح له الحق ، أو يموت وهو باحث عن الحق ، عالي الدرجة في الآخرة في كلا الامرين ، ولا يؤاخذه الله تعالى بتركه أمرا لم يلح له الحق فيه لما قدمنا قبل من أن الشريعة لا تلزم إلا من بلغته وصحت عنده . والأصل إباحة كل شئ بقوله تعالى : * ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ) * وبقوله صلى الله عليه وسلم : أعظم الناس جرما في الاسلام من سأل عن أمر لم يحرم فحرم من أجل مسألته . والأصل ألا يلزم أحدا شئ إلا بعد ورود النص وبيانه ، وبقوله تعالى : * ( لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) * وبقوله عليه السلام : لو قلتها لوجبت فاتركوني ما تركتكم وبقوله صلى الله عليه وسلم في قيام رمضان : خشيت أن يفرض عليكم فمن علم أن عليه الحج ولم يدر كيف يقيمه ، فلا يؤاخذ من تركه ما وجب عليه من عمل الحج إلا بما علم ، لا بما لا يعلم ، ولكن عليه التزيد في البحث حتى يدري كيف يعمل ثم حينئذ يلزمه الذي علم ، ولا يؤاخذ الله تعالى أحدا بشئ لم تقم عليه الحجة ، ولا صح عنده وجهه ، لأنه لم يبلغه ذلك الحكم ، قال تعالى : * ( لأنذركم به ومن بلغ ) * . وأما من قال : إن الفرض على العامي أن يقبل ما أفتاه به الفقيه - ولم يفسر كما فسرنا - فقد أخطأ . ونحن نسأل قائل هذا القول فنقول له : إن كنت شافعيا فماذا تقول في عامي سأل مالكيا أو حنفيا عن رجل أعتق أمته وتزوجها وجعل عتقها صداقها ؟ . فأفتاه بأنها ليست له بزوجة ، وأن نكاحه فاسد ، أتجيز له أن يعتر بغير طلاق ، فيزوجها من غيره ، فيبيح له فرجا حرمه الله عليه ؟ أو تراه عاصيا إن قام معها ؟ . وإن كان مالكيا قلنا له : ما تقول في عامي سأل شافعيا أو حنبليا عن